ابن يعقوب المغربي
563
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
إبراهيم في جواب الملائكة ( سَلامٌ ) برفع سلام على أنه مبتدأ حذف خبره فاستفيد منه أنه حياهم بتحية أحسن ؛ لأن سلامه واقع بالجملة الاسمية المفيد للدوام والثبوت وسلامهم بالفعلية ؛ لأن نصب لفظ سلام بتقدير الفعل كما بينا وهو تفريق بين الجملتين واضح إن تكلم المتخاطبان بالعربية وإن تكلما بغيرها فيمكن اعتباره في تلك اللغة بما يرادف مفيده في العربية ، ومعلوم أن السؤال هنا ليس عن السبب بل عن غيره ، ثم هذا الغير أيضا إما أن يكون السؤال فيه على وجه العموم كما في الآية وقد تقدم أن السؤال العام يكون طلبا للتصور فلا يؤكد ولذلك لم يؤكد هنا ، جريا على مقتضى الظاهر وبناء على أن الجملة الاسمية لا تفيد التأكيد إلا بمؤكد كما اختاره بعضهم ، أو يكون على وجه الخصوص ، كما أشار إلى مثاله بقوله : ( و ) ك ( قوله : زعم العواذل ) " 1 " - جمع عاذلة - أي : جماعة عاذلة لا جمع عاذل إذ لا يجمع بفواعل ، ويدل على إرادة الجماعة لا إمرة عاذلة مثلا قوله بعد ( صدقوا ) أي : أفراد تلك الجماعة في زعمهم أنني في غمرة ( ولكن غمرتى ) ليست كغيرها من الغمرات والشدائد فإنها غالبا تنجلى وغمرتى ( لا تنجلى ) أي : لا تنكشف فقوله : صدقوا جواب سؤال مقدر لأن الزعم مطية الكذب ، فيفهم أن ما زعموه يحتمل الصدق وعدمه فكأنه قيل : أصدقوا في ذلك الزعم أم لا ؟ فقيل : صدقوا ولقائل أن يقول إذا تصور من الكلام الأول الصدق فيما زعموا وتردد هل واقع ذلك الصدق أم لا ؟ أو كان المقام مقام تردد فيجب التأكيد بأن يقال إنهم لصادقون مثلا وقد يجاب بأن السؤال المقدر لما كان فعلا أتى بالجواب مطابقا ، والتأكيد تقديرى معه بمثل القسم أي صدقوا واللّه مثلا ، أو يقال ليس كل سؤال يؤكد جوابه ، بل إذا ضعف بابتناء عن شك كما هنا لم يؤكد ، وفيه أن الزعم مطية الكذب فالأنسب الظن في خلاف الحكم ، وذلك يقتضى التأكيد تأمل . ( و ) نعود ( أيضا ) إلى تقسيم آخر في الاستئناف باعتبار إعادة اسم ما استؤنف عنه الحديث والإتيان بوصفه المشعر بالعلية ، وإن كان الاستئناف في ذلك لا يخلو أيضا من كونه جوابا عن السؤال عن السبب أو عن غيره الذي هو حاصل التقسيم السابق فنقول :
--> ( 1 ) البيت أورده الجرجاني في الإشارات ص ( 125 ) ، بلا عزو والطيبي في التبيان ص ( 142 ) ، وفي عقود الجمان ص ( 182 ) ، وفي شرح شواهد المغنى ( 2 / 800 ) ، ومعاهد التنصيص ( 1 / 281 ) ، ومغنى اللبيب ( 2 / 383 ) .